السبت، 9 أبريل 2011

. . وَمْضُ مَوْتٍ ،



قال لي مرة: " ارسمي الموت لي، بفرشاتكِ " .. وضحكَ، بينما التوت شفتاه بتشدق !
نظرتُ إليه بلا مبالاة تامة، كان هو أدرى بما يختبئ خلفها ،
كرر، بلهجة تُبطن أكثر مما تظهر، : " هيا، افعلي " !
افترت شفتاي عن شبه ابتسامة حاولت أن ترتسم، لكنها سرعان ما عجزت عن ذلك، فعاودت الانحسار !
قلت : " يا عزيزي، لم أدرِ أن روح النكتة تطورت بكَ إلى هذ الحد ! " ،
إنه لا يدري، لا يدري أبدًا .. أي خيالات أثارها طلبه في مخيلتي ، أي صورٍ بدأت تتزاحمُ بعقلي طالبة مني المفاضلة بينها !
وأنا أدري، أنه يدري، أن كلماته يومًا لم تكن عبثًا !
اعتدلتُ في جلستي، وأتبعتُ ذلكَ بنهوض، قائلة بدون تركيز - تقريبًا - : " يالكَ من مُتعب " ،
حثثتُ خطاي نحو مخدعي الخاص، قائلة بصوت عالٍ - ليصل إلي قبل إليه - : " لا تُزعجني " !
لمحتُ ابتسامة الانتصار على وجهه، وهي يُحني رأسه بسخرية صرفة، لكني لم أهتم أبدًا، وكيف أفعل؟!
وسمعته يُتمتم : " ستبدأ طقوسها، ستفعل " !



بمخدعي، وأمام مرآة حائطي العملاقة، وجّهتُ نفسي ،
بذاك البنطال الذي يرجو الخلاص، وذاكَ القميصُ الذي سيكمل سنيه العشر قريبًا ،
وشلالُ شعري انساب بحرية، ليلتف حول خصري، بألفة ،
وبجانب كرسيّ الهزاز الذي أسترخي عليه، تصاعدت رائحة القهوة المرة، مغرية ،
وبمكانٍ هادئ، وأضواءٍ خافتة، وموسيقى تنبعثُ من جهاز تسجيل قريب، بدأتُ بـ - طُقوسي - كما أسماها !
وسرعان ما ملأت آلاف الصور مساحة مرآتي الهائلة - التي كانت منذ لحظات فارغة صامتة - ،
وكلُ صورة تتوهج بريقًا، تنطقُ قائلة: " أنا من تحتاجين " !
وبتلكَ الأطراف، أرى معاركًا تُشنّ، وينتصرُ الأكثر توهجًا .. ليعود فيتلاشى بعد أن ينتصر عليه آخر، دون توقف !
" آن وقت الاندماج " تمتمتُ بهمس ،
ليزداد الوميض، ليتألق التوهج، وليعمق ظلامُ المنتصف، أكثر فأكثر ،
وقررت، سأبدأُ من هناكْ !



دلفتُ إلى الخارج، لأراه لا يزال يقطنُ المقعد ذاته ، بينما تسرحُ عيناه متأملة وهج نار المدفأة !
انتبه لخطواتي، فالتفت مذهولًا، قال : " ألم تتوجهي لمرسمكِ بعد؟! " ،
جثيتُ بقرب المدفأة، وعيناي تعكسان لهيب نارها، رافعة يدي أطلبُ الدفء ،
قلت : " أخبرني، ما الموتُ برأيكْ؟! متى نموت؟! " ،
بعد قليل تفكير قال : " ألسنا نموتُ عندما تُفارق الروح أجسادنا، بشكلٍ أو بآخر " !
لم يبدو وكأنني سمعتُ، إذ سرحتُ بأفكاري دون إجابة !
بعد نصف الساعة ربما، قلت : " أخبرني، أليسُ كل من لا نعرف، كالميت بالنسبة لنا؟! أليس كلُ من تطاله أيدي نسيان ذاكرتنا هو كالميت بالنسبة لنا؟! " ،
أضفت : " هذا إن نظرنا للموت بمنظرونا، لا بمنظور الأموات " !
قال : " إلام تودين الوصول؟! " بحيرة تعتلي ملامحه ،
 قفزتُ من مكاني بحيوية مُستغربة، وأسرعتُ الخطى نحو مرسمي، فتحتُ بابه، لأعود فأنظر إليه وهو مستغربٌ ينظرُ في أثري، قائلة : " سأخبرك ، الموت .. هو الموت، بكل بساطة " ، وأغلقتُ الباب، والاستفسارات !

هناك 4 تعليقات:

  1. بعد نصف الساعة ربما، قلت : " أخبرني، أليسُ كل من لا نعرف، كالميت بالنسبة لنا؟! أليس كلُ من تطاله أيدي نسيان ذاكرتنا هو كالميت بالنسبة لنا؟! " ،

    ^

    بلى هو كذلك! أحسنتِ في الوصف ~
    أولئك الذين نسيناهم , ربما أشد موتاً من الذين تركوا هذه الحياة!

    \

    وأغلقتُ الباب، والاستفسارات !


    ^

    نهاية رائعة , ومن الروعة أنها هي من انتصرت ..

    ..

    الموت لا ترسم , إنما تأتي فجأة وتختفي فجأة .. فلا أنت تستطيع رؤيته حتى ترسمه , ولو رأيته بأم عينيك لم تعد تملك وقتاً لكي ترسمه!

    أشكركِ (:

    ردحذف
  2. " ارسمي الموت لي، بفرشاتكِ " تعبير رائع واولم من المستحيل رسم الموت لانه الشي الذي لا يرسم هو والحياة ولكن هو طلب ذلك المستحيل....
    " ألم تتوجهي لمرسمكِ بعد؟! " ،كان من الرائع مفاجأته انها لم تذب لمهجعها كما قال وانما فضلت مواجهته....
    " ألسنا نموتُ عندما تُفارق الروح أجسادنا، بشكلٍ أو بآخر " !سؤال اكثر من رائع في توقيت اروع وكأنها تقول له اعطني الجواب وكأنما هي قد استسلمت ....
    " أخبرني، أليسُ كل من لا نعرف، كالميت بالنسبة لنا؟! أليس كلُ من تطاله أيدي نسيان ذاكرتنا هو كالميت بالنسبة لنا؟! " ،اجابة تقول له انما انت لاتعرف ولكنك كنت تطلب المستحيل وها انا قد حققته ولو حتي من منظرنا نحن البشر.....
    " سأخبرك ، الموت .. هو الموت، بكل بساطة " ، وأغلقتُ الباب، والاستفسارات !جملة مؤثرة جداااااااااااااااااااااااااا وكأنها تقول له نعم سأعرف الماء بالماء اذا لم يكن يرضيك فقد اغلقت ايضا الاستفسار
    تحفة اعجبني جدااااااااااااا اللله الموفق

    ردحذف
  3. قناصة ،

    وجودكِ مُتعة والله، لا تحرميني إياها !

    ،

    صحيحٌ ما قلتِ .. الموتُ لا يرسم فعلًا، فكيفُ نعبر عن شيء لم نجربه ولم نسمع عنه من أحدٍ حتى؟! من جربه لم يجد - ولن يجد - أبدًا متسعًا من الوقت ليخبر آخر بهذه التجربة !

    ،

    سعيدة أن أعجبكِ :) !
    كلُ الشكر لوجودكِ وتشريفك !

    ردحذف
  4. مها ،

    كثيرٌ مما قلت لم يطرأ على بالي وقت كتابة ما كتبت !
    أنا أؤمن أن الكاتب - إن كنتُ xD - يكتبُ بالفكرة التي يريد .. والقارئ يفهمُ الفهم الذي يريد، القارئ سيرى في النص أكثر مما قصد الكاتب أن يضع، لذا أنا هنا بكلامكِ .. تفاجئتُ بمعانٍ أخرى لم أعنها ريثما كنتُ أكتب، فشكرًا لكِ :) !

    وفقني الله وإياكِ ،

    ردحذف